الشيخ محمد النهاوندي
446
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً لما ترون فيه من المشقّة والضّرر على النّفس والمال من غير صلاح ظاهر وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في الحقيقة ، وصلاحكم في الواقع ، كما أنّ المريض إذا كان جاهلا بنفع شرب الدّواء المرّ النّتن ، لا يتحمّل شربه إلّا بكره وجبر ، بخلاف ما إذا علم بكون شفائه في شربه ، فإنّه يشتاق إليه أكثر من اشتياقه إلى شرب الأشربة الحلوة الطيّبة . وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وتشتاقوا إليه لجهلكم بضرّه وشرّه ، وموافقته لطباعكم وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ يكون فيه فسادكم وهلاككم ، فإنّ الطّفل يشتاق إلى أن يلعب بالحيّة لحسن منظرها ولين لمسها ، وجهله بأنها قاتلة ، وأنّ في قربها هلاكه . وَاللَّهُ يَعْلَمُ واقع صلاح الأشياء وفسادها وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ شيئا إلّا بتعليم اللّه ، فما أمركم به فاعلموا أنّ فيه خيركم وصلاحكم ، ولا تنظروا إلى كونه مكروها لطباعكم أو مفسدة في اعتقادكم ، فعليكم البدار إلى طاعة أوامره ولو كان بإلقاء أنفسكم في المهالك وتحت أظلّة السّيوف . في دفع توهّم التنافي بين التكاليف الشرعية الشاقة وبين نفي الحرج فإن قيل : التّكليف بالأعمال الشاقّة والحرجيّة والضّرريّة ينافي قوله سبحانه : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ « 1 » وقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ « 2 » وقوله صلّى اللّه عليه وآله : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » « 3 » . قلنا : المراد من العسر والحرج والضّرر ، ما يكون بجهات طارئة على متعلّق التّكليف ، لا ما هو في نوع المكلّف به وحقيقته ، مثلا التّكليف بالجهاد والزّكاة يكون في نوعهما الضّرر والحرج ، وهما باللّحاظ الأوّليّة مقتضي لثبوت التّكليف لا رافع له ، ولا يمكن أن يكون مقتضي الشيء مانعا عنه أو رافعا له ، بخلاف العسر والحرج والضّرر الطارئ على التكليف ، كأن يكون المكلّف مريضا أو يكون أداء الزّكاة موجبا - اتّفاقا - لضرر بذل مال آخر في إيصاله إلى الفقير ، فإنّ دليل نفي الحرج والضّرر رافع للتّكليف في هذه الصّورة ولا منافاة . والحاصل : أنّ مفاد قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ أنّ اللّه تعالى أراد من كلّ عمل أمركم به ، الصنف الذي ليس فيه مشقّة زائدة على ما اقتضته طبيعة ذلك العمل ، ولم يرد منكم الصّنف الذي فيه الضّرر والعسر الزائد بالنسبة إلى أصل الطّبيعة المأمور بها ، مثلا الوضوء بالماء ، مع كون المشقّة العظيمة في تحصيله وإن كان موجبا للطّهارة ولكنّ اللّه لم يرض بتحمّل تلك المشقّة
--> ( 1 ) . الحج : 22 / 78 . ( 2 ) . البقرة : 2 / 185 . ( 3 ) . من لا يحضره الفقيه 4 : 243 / 777 .